حسن بن عبد الله السيرافي
139
شرح كتاب سيبويه
يخفض لأوشك أن ترى ذلك في الشعر ؛ لأنّ الشعر الذي يأتي بالمستجاز . قال : وإنما دعاهم إلى أن يقولوا : لولاك في موضع الرفع ؛ لأنهم يجدون المكني يستوي لفظه في الخفض والنصب فيقال : ضربتك ، ومررت بك ، ويجدونه يستوي أيضا في الرفع والخفض والنصب ، فيقال : ضربنا ، ومرّ بنا ، فيكون النصب والخفض بنون ، ثم يقال : قمنا ، وفعلنا ، فيكون الرفع بالنون . فلما كان ذلك استجازوا أن تكون الكاف في موضع ( أنت ) رفعا ، وكان إعراب المكني بالدّلالات لا بالحركات . فإن قال قائل : حروف الخفض هي صلات للأفعال ، فإذا جعلتم لولا خافضة للياء والكاف ففي صلة أي شيء تجعلونها ؟ قيل له : قد تكون حروف الجر في موضع مبتدإ ، ولا تكون في صلة شيء كقولك : بحسبك زيد ، ومعناه : حسبك زيد ، وقولك : هل من أحد عندك ؟ وإنما هو : هل أحد عندك ؛ فموضعها رفع بالابتداء ، وإن كانت قد عملت الجرّ . وكذلك لولا إذا عملت الجرّ صارت بمنزلة الباء في : بحسبك ، ومن في : هل من أحد ، وتكون لولاك ولولاي بأسرها بمنزلة بحسبك ، ومن أحد . ونظير هذا ما روي من خفض ( لعل ) لما بعدها ؛ فإذا خفضت ما بعدها كانت هي وما بعدها بمنزلة اسم مبتدأ وما بعدها خبر ، وفيما قرأنا على أبي بكر بن دريد ، أو أنشدناه : وداع دعايا من يجيب إلى النّدى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب فقلت ادع أخرى وارفع الصوت دعوة * لعل أبي المغوار منك قريب " 1 " وأما عساك ، وعساني ففيه ثلاثة أقاويل : أحدها : قول سيبويه وهو أنّ عسى حرف بمنزلة لعلّ ينصب ما بعدها الاسم ، والخبر مرفوع في التقدير وإن كان محذوفا . كما أنّ علّك في قولك : علّك أو عساك خبره محذوف مرفوع ، والكاف اسمها ، وهي منصوبة . واستدلّ على نصب الكاف في عساك بقول عمران : عساني ، والنون والياء فيما آخره ألف لا تكون إلا للنّصب . والقول الثاني : قول الأخفش أنّ الكاف والنّون والياء في موضع رفع ، وحجّته : أنّ لفظ النّصب استعير للرفع في هذا الموضع كما استعير له لفظ الجرّ في : لولاي ، ولولاك . والقول الثالث : قول أبي العبّاس المبرّد : أنّ الكاف والنّون والياء في عساك ، وعساني
--> ( 1 ) البيت في ديوانه ، الخزانة 10 / 426 ، 428 ؛ لسان العرب وتاج العروس ( جوب ) .